حسن الأمين
111
مستدركات أعيان الشيعة
ولما بلغ خبر وفاة الشاه عباس إلى امام قلي خان الذي كان يحاصر مدينة البصرة ترك الحصار وعاد إلى أصفهان ليحظى بحضور الملك الجديد . الشاه عباس الكبير هو لا شك أكبر ملوك إيران بعد الإسلام بسبب الأعمال العظيمة التي قام بها والفتوحات التي حققها والآثار الخيرة التي تركها وقد حكم إيران منذ ادعائه الحكم في خراسان 49 سنة وبعد عزل والده 43 سنة . وربما لا نجد من الملوك من هو في الصيت والشهرة بين عامة أبناء الشعب مثل الشاه عباس . ان الحكايات والأساطير التي يتناقلها الناس خير دليل على ذلك وان لقب الكبير الذي منحه الأوروبيون له لم يكن عبثا . لقد صدرت عن الشاه عباس في حياته بعض الأعمال التي تؤكد قسوته وعصبيته وعلى سبيل المثال قتله لابنه الأكبر صفي ميرزا في سنة 1022 هلتصوره بأنه سيثور عليه ثم هناك المجزرة التي ارتكبها في كرجستان وقتله لأصحابه ممن يتهمهم بأقل ذنب ، ولكن رغم كل هذا فان الشاه عباس بغلبته على أعداء إيران القدامى وحصوله على الانتصارات الباهرة في فتوحاته ، سعى أكثر من أي ملك آخر لرفاهية العباد وأعمار البلاد وإنشاء الطرق وبناء الأبنية وما زالت آثاره الكثيرة باقية تذكر به في جميع ارجاء إيران . لقد نقل الشاه عباس حوالي سنة 1000 هعاصمة حكومة الصفويين من قزوين إلى أصفهان وعادت هذه المدينة إلى ازدهارها وعظمتها بعد أن كانت منسية منذ عهد السلاجقة وأمر الشاه رجاله ببناء القصور والمساجد وإنشاء الطرق والبساتين . وفي سنة 1011 أمر ببناء جهار بإزار وميدان نقش جهان وفي سنة 1019 بادر بإنشاء مسجد الشاه وبنى عمارة عالي قاپو لاقامته الشخصية كما أوجد البساتين الكثيرة على جانبي نهر زاينده رود وبنى القصور الأخرى وعدا أصفهان فقد بنى الشاه عباس قصورا كثيرة في مختلف أنحاء إيران وخاصة في مازندران التي كان يذهب إليها دائما للراحة والصيد ففي سنة 1020 هأمر بإنشاء ميناء فرحآباد وفي سنة 1021 أمر ببناء مدينة أشرف . وفي سنة 1031 أمر بإنشاء الطريق الحجري في مازندران وطوله 45 فرسخا من فرحآباد إلى خواري . كما أنشا طريقا أخرى في هذه الولاية من جاجرم في خراسان إلى دشت مغان . وفي العراق ، أمر بإنشاء نهر النجف ومقابر الأئمة وفي سنة 1017 وقف جميع ممتلكاته الخاصة على الأربعة عشر معصوما كما أمر بتوزيع مواردها على السادة . وفي سنة 1028 طلب من امام [ ] قلي خان ان يحفر قسما من جبال زردكوه في بختياري التي ينبع منها نهر كارون وزاينده رود والتي كان الشاه طهماسب أمر بحفرها ، لتوزيع قسم من مياه كارون على أصفهان ، وقد باشر امام خان بذلك ولكنه لم يتمكن من إتمامه بسبب صعوبة العمل . وقد أمر الشاه عباس بإنشاء الخانات الكثيرة في مختلف الطرق في إيران حيث كان معروفا بالسياحة والاستجمام وكان يذهب في كل عام لزيارة مدينة مشهد كما كان يذهب عادة إلى أردبيل لزيارة مقبرة جده الشيخ صفي الدين ويقول عامة الناس ان الشاه عباس الكبير أنشأ 999 خانا وهذا العدد يدل على كثرة الخانات التي أنشأها . وفي سنة 1009 ذهب الشاه عباس لزيارة مشهد مشيا على الأقدام وامر بتعيين المسافة بين أصفهان ومشهد عن طريق الصحراء وبلغت هذه المسافة 199 فرسخا . وفي سنة 1017 لما ذهب الشاه عباس إلى مدينة مراغة وشاهد هناك الآثار الباقية من مرصد هولاكو قرر تعمير ذلك المرصد ولهذا أرسل كلا من الشيخ محمد بهاء الدين العاملي والملا جلال المنجم وعلي رضا الكاتب إلى مراغة لاعداد المخططات اللازمة وعرض هؤلاء خريطة إعادة بناء المرصد على الشاه عباس ولكن لا يعرف لما ذا أهمل هذا المشروع . الشاه عباس وادارته للبلاد بذل الشاه عباس ما في طاقته لاعمار البلاد وإصلاح شؤون التجارة والجيش والزراعة واستخدم لهذا الأمر الخبراء الأجانب . في سنة 1006 وعند ما كان الشاه عباس في خراسان للقضاء على الأزبك جاءت بعثة انكليزية مؤلفة من ثمانية وعشرين رجلا بينهم خبير عسكري اسمه انطوني شرلي ( 1 ) ومعه أخوه روبرت ( 2 ) وكان هدف البعثة الحصول على امتيازات تجارية . ومن المؤكد انه كان لها غايات سياسية ، فقدمت للشاه الهدايا والتحف واستقبلها هو بحفاوة في مدينة قزوين ثم اصطحبها معه إلى أصفهان . وفي أصفهان علم الشاه وقائد قواته ( الله وردي خان ) بان في الوفد رجالا يعرفون مختلف الفنون العسكرية وكيفية صناعة المدافع ، لهذا قرر الشاه والقائد أعداد جيش نظامي جديد على مثال الجيوش الأوروبية والاستعانة بالعسكريين الإنكليز . وكان الجيش الصفوي يتالف آنذاك من مجموعة من الخيالة من عشائر قزلباش وكانت هذه العشائر تطيع رؤساءها أكثر من اطاعتها للملك وكانوا يعملون حسب رغبتهم في عزل ونصب الملك والشاه عباس نفسه ثار بمساعدة هؤلاء على والده وتسلم السلطة . وكان في ذهن الشاه أعداد جيش مطيع لأمره مباشرة ، فبادر في البداية إلى تقليل عدد الخيالة من القزلباش إلى 000 ، 30 . ثم بمساعدة الأخوين ( شرلي ) أعد خيالة عسكرية مؤلفة من 000 ، 10 شخص وفريقا من المشاة مؤلفا من 000 ، 20 كلهم مدربون وكانوا يقبضون الرواتب من الحكومة كما جهزهم بمدفعية فاعلة ، وسلم قيادتهم إلى الله وردي خان . ومن أجل أن يحافظ على حياته من الأخطار المحتملة التي قد تنجم من القزلباش فقد شكل عشيرة جديدة من مختلف الطوائف أسماها ( شاهسون ) اي أنصار الشاه أو المحبين للشاه وكانت مهمة هذه العشيرة صيانة حياة الملك وقد دخل هؤلاء ضمن جيوش الملك . وفي أواخر سنة 1007 هجرية كان الشاه قد حقق تشكيل جيش حديث ، ثم أرسل انطوني شرلي يرافقه حسين علي بيك بيات إلى البلاطات الأوروبية لعقد اتفاقيات معها لبيع الحرير الإيراني الذي كان آنذاك من البضائع الثمينة وحصل خلاف في الطريق إلى أوروبا بين شرلي وحسين علي بيك وانفصل شرلي عنه وذهب إلى إسبانيا لدى فيليب الثالث ولم يرجع إلى إيران . وبعد رحلة طويلة وصل حسين علي بيك إلى البلاط الاسباني وبعد ما يقارب الأربع سنوات عاد إلى إيران على ظهر السفينة التي خصصها له فيليب ملك إسبانيا . وفي هذا التاريخ بعث الملك الإسباني سفيره ديكوفا إلى إيران ، كما ذكرنا من قبل ، وكان من الأمر ما أشرنا اليه فيما تقدم . وعاد ديكوفا إلى إيران في سنة 1017 ثم رجع إلى إسبانيا يرافقه زنكير بيك سفيرا لإيران في البلاط الاسباني وعاد زنكير بيك إلى إيران في سنة 1021 وكما ذكرنا سابقا ان هذه السفارات لم تسفر عن أي نتيجة حيث إن الشاه عباس لم يوافق على أن يستعيد البرتغاليون البحرين ، ففترت العلاقات ثم أدى هجوم الجيش الإيراني على هرمز إلى قطع المحادثات
--> ( 1 ) Antouy Sherluy ( 2 ) Robert Sherluy